أبو الليث السمرقندي
159
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ، يقول : ألم تخبر : وهذا على سبيل التعجب ، كما يقال : ألا ترى إلى ما صنع فلان ؟ ! ويقال : ألم تر ، يعني ألم تعلم ؟ ويقال : ألم ينته إليك خبرهم ؟ يعني الآن نخبرك عنهم . قال ابن عباس : وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر الناس بالخروج إلى الغزو فخرجوا ، فبلغهم أن في ذلك الموضع طاعونا ، فامتنعوا عن الخروج إلى هناك ، ونزلوا في موضعهم ، فهلكوا كلهم ؛ فبلغ خبرهم إلى بني إسرائيل ، فخرجوا ليدفنوهم ، فعجزوا عن ذلك لكثرتهم ، فحظروا عليهم الحظائر . ثم أحياهم اللّه بعد ثمانية أيام ، وبقيت منهم بقايا من البحر ومعهم النتن إلى اليوم وقال بعضهم : بلغهم أن هناك للعدو شوكة وقسوة ، فامتنعوا عن الخروج إليهم فأهلكهم اللّه تعالى . وقال بعضهم : إن أرضا وقع بها الوباء فخرج الناس منها هاربين ، فنزلوا منزلا فماتوا كلهم ؛ فمر بهم نبي يقال له حزقيل - عليه السلام - فقال : الحمد للّه القادر الذي يحيي هذه النفوس البالية ليعبدوه . فدعا لهم فأحياهم اللّه تعالى ؛ فذلك قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ . قال ابن عباس في رواية الكلبي وفي رواية الضحاك : ثمانية آلاف ، ويقال : سبعون ألفا ، ويقال : ثمانية عشر ألفا . وقال بعضهم : هم ألوف كما قال اللّه تعالى ، ولا يعرف كم عددهم إلا اللّه . حَذَرَ الْمَوْتِ ، أي خرجوا من ديارهم مخافة الموت . فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ، أي أماتهم اللّه ؛ ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، يعني على أولئك الكفار حين أحياهم . يقال : هو ذو منّ على جميع الناس . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ رب هذه النعمة ، يعني الكفار . ويقال : على الذي أحياهم . وفي هذه الآية : دلالة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم حيث أخبر عمن قبله ولم يكن قرأ الكتب ، فظهر ذلك عند اليهود والنصارى وعرفوا أنه حق . وفي هذه الآية إبطال قول من يقول : إن الإحياء بعد الموت لا يجوز ، وينكر عذاب القبر ؛ لأن اللّه تعالى يخبر أنه قد أماتهم ثم أحياهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 244 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما أحياهم اللّه قال لهم : قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ويقال : هذا أمر بالجهاد لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : قاتلوا في سبيل اللّه . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، أي سميع لمقالتهم ، عليم بالأرض التي وقع فيها الوباء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 245 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 )